الشيخ السبحاني

155

بحوث في الملل والنحل

متفرّجين في مقابل جرأة العاصي وحملة الماجن « ما هكذا تورد يا سعد الإبل » . وكيف يرضى الشارع الّذي جعل الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر فريضة على المسلمين بهذه النكسة . هذا حال الطائفة الأُولى وإليك نبذة عن وضع الطائفة الأُخرى . الطائفة الثانية : وهم الأقليّة من أصحاب الفكر ، وقد عاينوا المشاكل عن كثب وحاولوا حلّها بالدراسة والتحليل . فلأجل تلك الغاية تدرّعوا بمنطق الخصم وأساليبه الكلاميّة ، فقلعوا بها الشبه وصانوا دينهم وإيمان أحداثهم عن زيغ المبطلين . كلّ ذلك بدافع الذبّ عن حريم الدين وصيانته ، وتجسيداً للأصل الأصيل في الكتاب والسنّة - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - وأُسوةً بالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم الّذي كان يدافع عن دين اللَّه بسيفه وسنانه ، وبنانه وبيانه ، وكتبه ورسائله . وقد نجم بين الأُمّة في هذه الطائفة علماء أخيار اشتروا رضا اللَّه سبحانه بغضب المخلوق ، فكانوا يحمون جسد الإسلام من النّبال المرشوقة والموجّهة من السلطة الحاكمة إليه ، تحت ستار الدفاع عن الدين ومكافحة المضلّين ، وقد أساء لهم التاريخ فأسماهم بالقدريّة ، حطّاً من شأنهم ، وإدخالًا لهم تحت الحديث المرويّ عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم : « القدريّة مجوس هذه الأُمّة » . وكان العصر الأموي ( من الوقت الّذي استولى فيه معاوية على عرش الملك إلى آخر من تولّى منهم ) ، يسوده القول بالجبر ، الّذي يصوِّر الإنسان والمجتمع أنّهما مسيّران لا مخيّران ، وأنّ كلّ ما يجري في الكون من صلاح